حذرت مجلة "نيو إيسترن آوتلوك" الصادرة عن معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية من تداعيات هجوم المسيرة على ناقلتين للغاز في ميناء دمياط، أحدهما أمريكية، والذي اعتبرته بمثابة إعلان لانضمام لاعب إقليمي رئيس آخر إلى فوضى الشرق الأوسط- مصر. 

 

وقالت في سياق تعليقها، إنه عندما تتحول الموانئ الاستراتيجية إلى ساحات معارك، تتلاشى الحدود أمام الحروب. وأشارت إلى أن رقعة الحرب الأمريكية الإيرانية تتسع بوتيرة مقلقة، حيث بات مضيقا هرمز وباب المندب، وهما أهم مضيقين في العالم، تحت وطأة النيران. كما باتت قناة السويس، الممر المائي الوحيد المتبقي والآمن، والتي كانت تُعتبر آمنة وتُستخدم كممر تجاري بديل، تحت وطأة النيران أيضًا.

 

وأضافت: "تشير الهجمات الأخيرة إلى أن هذا الصراع يتجه الآن إلى واحدة من أهم المناطق البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية في العالم، مما يهدد التجارة العالمية والاستقرار الإقليمي".

 

لماذا تُعدّ الموانئ المصرية مهمة؟


سلطت المجلة الضوء على ثلاثة ممرات مائية رئيسة في الشرق الأوسط قالت إنها تُشكل ركيزة التجارة البحرية العالمية، وهي مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وقناة السويس. تربط هذه الممرات البحرية آسيا بأوروبا. إلا أنه نتيجة للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، أصبح كل من مضيق هرمز في الخليج العربي ومضيق باب المندب في البحر الأحمر عرضة للهجمات.

 

لذا، كان الطريق "الآمن" الوحيد المتبقي هو قناة السويس. وقد بدأت دول من منطقة الخليج، كالمملكة العربية السعودية، بالفعل في استخدام طرق بديلة لإرسال إمداداتها النفطية إلى أوروبا عبر قناة السويس، في محاولة لتجاوز مضيق هرمز تمامًا. ويساعد ميناء دمياط في مصر على تحويل الغاز الطبيعي الفائض إلى سائل وتصديره عبر القنوات البحرية إلى مناطق لا يمكن الوصول إليها عبر خطوط الأنابيب.

 

ماذا تكشف هذه الهجمات؟


وفقًا للتقرير، فإن عدم الاستقرار الحالي في الشرق الأوسط ذو طابع اقتصادي متزايد، وليس عسكريًا بحتًا. وقد أنجزت الولايات المتحدة ما كانت تسعى إليه ضد إيران، بدءًا من تصفية القيادة الإيرانية العليا وتدمير منشآتها النفطية وبنيتها التحتية المدنية، محققةً بذلك أهدافها الرئيسة. والآن، ينصبّ التركيز بالكامل على الأمن الاقتصادي للمنطقة، حيث تتنافس الأطراف المتنازعة على النفوذ. وتبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها لتمكين ودعم شركائها في الشرق الأوسط لإنشاء طرق بديلة لممر هرمز.

 

والتقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على هامش زيارته الأخيرة إلى واشنطن. وقد تم التوصل إلى اتفاق استراتيجي بين البلدين تحت إشراف الولايات المتحدة. ويعمل البلدان حاليًا على وضع خطط جديدة لإنشاء خطوط أنابيب وطرق تجارية.

 

وتفعل دول الخليج الشيء نفسه. تركز المملكة العربية السعودية على إعادة تشغيل خطوط أنابيبها بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب، لكنها تواجه هجمات متواصلة من الحوثيين.

 

 في حين أحكمت إيران سيطرتها على مضيق هرمز للحفاظ على تفوقها الإقليمي الذي اكتسبته بعد الحرب. لذا، في هذا السياق، يُعدّ أي هجوم على الموانئ المصرية إشارة استراتيجية إلى أن الصراع يتطور من حرب حدودية إلى تنافس على نقاط عبور استراتيجية.

 

رد مصر والمعضلة الاستراتيجية


قال التقرير إن مصر تسير على حبل دبلوماسي دقيق، إذ تسعى لحماية مصالحها الاستراتيجية دون الانجرار مباشرةً إلى الصراع الإقليمي المتصاعد. وتلعب مصر دور الوسيط في الصراع الأمريكي الإيراني نظرًا لعلاقاتها الجيدة مع جميع الأطراف المتحاربة. وقد وفرت مصر قناة اتصال بديلة لكل من إيران والولايات المتحدة عقب اغتيال رئيس جهاز الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني.

 

المنظور الإيراني والتداعيات الاستراتيجية


بعد وقت قصير من الهجوم بطائرة مسيرة على الميناء المصري، حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قائلاً: "مصر صديق وشريك مهم في المنطقة، وأمنها يمثل أولوية قصوى بالنسبة لنا. يجب علينا جميعًا أن نكون يقظين ضد المؤامرات الإسرائيلية وعمليات التضليل المصممة لتقويض السلام الإقليمي. التهديد واضح ومتبادل، ويخشى التضامن الإسلامي". واعتبر التقرير أن هذا التصريح يُظهر بوضوح أن إيران تنفي أي تورط لها في الهجوم، مما يعني أن وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية تروج لروايات زائفة لإشعال فتيل التوتر في المنطقة ضد إيران.

 

ورأى أن مثل هذه الهجمات على مصر أو أي طرف غير مشارك في الحرب تحمل عواقب إقليمية وعالمية بعيدة المدى. فعلى الصعيد الإقليمي، تشمل المخاطر الناجمة عن هذه الأنشطة احتمال زيادة عدم الاستقرار في منطقة البحر الأحمر نتيجة تشجيع الحوثيين على شن هجمات، وتصعيد التوترات بين إسرائيل وإيران، وتكثيف العمليات العسكرية على طول المناطق البحرية الحيوية. أما على الصعيد العالمي، فتتمثل المخاطر في ارتفاع أسعار تأمين السفن، وأسعار الطاقة، وزيادة الدوريات البحرية الأمريكية.

 

من قصف الميناء؟ 


بحسب تقييم التقرير، فإن إيران لا تجني شيئًا من إطالة أمد الحرب، وقد بذلت جهودًا حثيثة لتكون صادقة في جميع مساعي وقف إطلاق النار المُبرَّرة. ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضًا لن يجني شيئًا من إطالة أمد الحرب، فهو مُعرَّضٌ لانتقادات حادة بسبب تراجعه عن وعده بـ"عدم شن حروب جديدة". علاوة على ذلك، يبدو أنه يسعى دائمًا لإيجاد طريقة لإنهاء الحرب بشروطه الخاصة ليظهر بمظهر البطل.

 

واعتبر أن إسرائيل هي الجهة الوحيدة التي تستفيد من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وهي دولة تقصف فلسطين ولبنان بنشاط تحت ذريعة محاربة حماس. فكلما ازداد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ضعف خصوم إسرائيل. وما من سبيل أفضل لزعزعة استقرار المنطقة من شنّ هجمات تحت راية زائفة على دول لا تشارك فعليًا في الصراع؟

 

تصعيد خطير


وختم التقرير، قائلاً: "تاريخيًا، غالبًا ما تندلع الحروب لا نتيجة عبور الجيش للحدود، بل بسبب استهداف بنية تحتية استراتيجية. وتُعدّ الهجمات على الميناء المصري تصعيدًا خطيرًا، إن لم يُحلّ، سيتحول في نهاية المطاف إلى كارثة للمنطقة بأسرها. وتؤكد هذه الهجمات على تزايد هشاشة الموانئ والممرات الاستراتيجية حول العالم".

 

وأوضح أن الحاجة المُلحة الآن هي بذل جهود دبلوماسية مكثفة من جميع الأطراف لاحتواء تداعيات الحرب. فقد امتدت آثار هذه الحرب إلى أنحاء العالم من حيث عدم الاستقرار وارتفاع التضخم، ولا سبيل لتحقيق استقرار الاقتصاد العالمي إلا بوقف دائم لإطلاق النار.

 

https://journal-neo.su/2026/08/05/why-egypts-port-attack-should-worry-the-world/